نخبة من الأكاديميين

448

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

عامة وديمقراطية جرت في بلدان إسلامية وعربية عديدة ( فلسطين ولبنان والعراق . . . الخ ) ، وبخاصة بعدما تراجعت أو انكفأت أحزاب وقوى وحركات وتيارات سياسية تقليدية وتاريخية كانت إلى أمد قريب على عين الناس ومحض آمالهم في بلادها . ما لا يجوز إغفاله في هذا السياق هو أن هذه الحركات الإسلامية الناهضة ، ليست مجرد حركات تحرر وطني وتحرير من الاحتلال الصهيوني والأجنبي ، ولا مجرد حركات تغيير وإصلاح من الداخل كما حال الأحزاب والحركات والتيارات التغييرية والإصلاحية أو الثورية المعروفة في التجارب المعهودة والمعاصرة في العالم الإسلامي العربي وفي خارجه ، وإنما هي في عميق أبعادها سواء قررت ذلك لنفسها ووعته وأعلنته ، أم لم تفعل ، وسواء وصفها به الآخرون أو نسبوها إليه هي موضوعياً عنوان من عناوين المشروع الحضاري الديني لبني البشر ، ورافعة استنهاض به وله ، والمقيض لها باختيارها وإرادتها ومسؤوليتها تقديم نموذجه / نماذجه في مجال عملها واختصاصها وأهدافها . إن هذه الحركات الإسلامية بمجرد أنها اختارت المشروع الحضاري الديني والتزمت النهوض بهديه ، فقد وضعت نفسها في موضع الإنخراط في مشروع كلياني يتجاوز حدود حراكها القصري أو الوطني الخاص . فلقد قررت لنفسها أن تكون جزءاً من حركة تغيير على المستوى الإنساني الشامل ، أرادت ذلك أم لم ترده . وذلك إضافة إلى أن فكرها وممارساتها وسلوكياتها مواقفها لا يكتفى بنسبتها إليها وحدها ، وإنما الحاصل موضوعياً أن تنسب غالباً إلى مشروعها الاعتقادي الشامل الذي تعتنقه ، وهو المشروع الحضاري الديني الذي لا يكون عند المسلمين إلا المشروع الإلهي الذي تكثف فيه الأديان والرسالات السماوية كافة . فإن أصابت تلك الحركات الإسلامية ، سجل ذلك في خانة إيجابياتها وإيجابياته ، وإن أخظأت أو ضلت ، ذُهب بالمشروع سلباً كل مذهب . وهذا من طبيعة اتخاذ المواقف من جهة معارضيها في أمور من هذا القبيل . إن وضع الحركات الإسلامية الإصلاحية والتحررية ذاتها في هذا المستوى من الخيارات المفصلية الكبرى ، يعني حضارياً واستراتيجياً وسياسياً ، أنها قد اختارت لنفسها مشروعاً كليانياً مخالفاً ، أو مغايراً ، أو مواجهاً للمشروع الحضاري التاريخي المتسيّد الذي أبدعه الفكر البشري وتجارب بني الإنسان ، والذي يتعنون اليوم بالمشروع الحضاري المادي الذي يتمثل في عالم الشمال المتغلب بقيادة الغرب ونهجه في الميادين كافة . وهذا حمل عظيم ومسؤولية كبرى تضطلع بهما هذه الحركات ، بقطع النظر عما اختارته لنفسها من شعارات وبرامج وأجندات خاصة أو عامة . ولا نبالغ إذا قلنا إن هذا المشروع الحضاري الديني " المتصدي " للمشروع الحضاري الآخر ، هو من غير شك أكبر من حملته والدعاة إليه المفترضين ، فلا بد له من أن يبدو فضفاضاً عليهم جملة وتفصيلًا بلحاظ أمكنتهم وأحجامهم وقدراتهم على الإحاطة به . . هو يتجاوز الأزمنة والأمكنة لأنه في المقدس ومنه يتمنطق . وكذلك هي الحال الحركات التي ينتمون إليها . لكنهم كافة ، منظوراً إليهم من خارج ،